من اتفاقية الصيد البحري إلى الشراكة الاستراتيجية: تحولات موازين القوة بين المغرب وإسبانيا في غرب المتوسط
ماروك يونفرسال-متابعة -هيئة التحرير

طنجة-لم تكن اتفاقية الصيد البحري الموقعة سنة 1995 بين المغرب وإسبانيا، في إطار تعاون أوسع مع الاتحاد الأوروبي، مجرد إجراء تقني ينظم ولوج الأساطيل الأوروبية إلى المياه المغربية، بل كانت في جوهرها انعكاساً لمرحلة جيوسياسية غير متوازنة داخل غرب البحر الأبيض المتوسط، حيث كانت موازين القوة تميل بشكل واضح لصالح أوروبا، سواء على مستوى القدرات الاقتصادية أو النفوذ البحري أو التحكم في سلاسل القيمة. في تلك اللحظة التاريخية، استفادت أقاليم إسبانية ساحلية مثل الأندلس وغاليسيا بشكل مباشر من هذا الانفتاح البحري، باعتبار الصيد قطاعاً اقتصادياً حيوياً مرتبطاً بالهوية الاجتماعية والاقتصادية لهذه الجهات.
لكن هذا التوازن لم يكن ثابتا. فمع بداية الألفية الجديدة، بدأت دينامية بطيئة لكنها عميقة في إعادة تشكيل موقع المغرب داخل الإقليم، حيث لم يعد تدبير الموارد الطبيعية، وعلى رأسها الثروة البحرية، يفهم بمنطق الامتيازات التقنية، بل بمنطق السيادة الاقتصادية وإعادة صياغة شروط التفاوض. هذا التحول ارتبط بإعادة هيكلة النموذج التنموي المغربي وتوسيع حضوره داخل سلاسل التجارة الدولية، ما أدى تدريجياً إلى تغيير طبيعة العلاقة من منطق الوصول إلى الموارد إلى منطق إدارة المصالح المتبادلة.
في المقابل، كانت الساحة الإسبانية تعرف تحولات داخلية متزايدة التعقيد، خصوصا في المناطق الساحلية مثل غاليسيا، حيث ظل قطاع الصيد يشكل عنصرا حساسا في النقاش الاجتماعي والسياسي. ومع صعود اليمين المتطرف وتنامي الخطاب الشعبوي داخل المشهد السياسي الإسباني، أصبح ملف الهجرة والعلاقة مع المغرب مادة مركزية في الاستقطاب الداخلي، يعاد توظيفها بشكل متكرر في الحملات الانتخابية.
ورغم هذا التوتر السياسي المتصاعد، فإن البنية الاقتصادية للعلاقة بين البلدين ظلت تعمل في اتجاه مغاير. فالتبادل التجاري الكثيف، وتشابك سلاسل الإنتاج، والاعتماد المتبادل بين جنوب إسبانيا والمغرب، جعلت من الصعب فصل الاقتصاد عن السياسة بشكل كامل. بل إن هذا التشابك خلق نوعا من الترابط الإجباري، حيث تصبح كلفة القطيعة أعلى بكثير من كلفة إدارة الخلاف.
وفي موازاة ذلك، لعب التحول الجغرافي الاقتصادي دورا حاسما في إعادة تشكيل موازين القوة، خصوصا مع بروز ميناء طنجة المتوسط كمركز لوجستي رئيسي في غرب المتوسط. هذا التطور نقل المغرب من موقع الطرف الهامشي في سلاسل القيمة إلى موقع العقدة الوسيطة في التجارة العالمية، ما عزز قدرته التفاوضية وأعاد صياغة شروط الانخراط في الملفات الثنائية.
ومع تراكم هذه التحولات، خرجت العلاقة المغربية الإسبانية من إطارها القطاعي الضيق نحو بنية أكثر تعقيداوتشابكا، تشمل الصيد البحري والهجرة والطاقة والأمن والاستثمار. غير أن هذا التشابك لم ينتج توازنا مستقرا بقدر ما أنتج اختلالاً متوازناً، حيث يستمر الاعتماد المتبادل لكن دون تماثل كامل في القوة أو النفوذ.
وهنا تبرز نقطة حساسة متزايدة الأهمية، تتمثل في صعود اليمين المتطرف داخل إسبانيا، خصوصا عبر الخطاب السياسي المرتبط بالهجرة والسيادة والهوية. فالأمر لم يعد يقتصر على خلافات ظرفية، بل بات يحمل في طياته مخاطر انتقال التوترات السياسية إلى ملفات اقتصادية حساسة، وفي مقدمتها قطاع الصيد البحري المرتبط مباشرة بأقاليم مثل غاليسيا.
وفي هذا السياق، لم يعد من المستغرب أن يتحول المغرب إلى محور أساسي في خطاب بعض قادة اليمين المتطرف الإسباني، وعلى رأسهم سانتياغو أباسكال، الذين يوظفون ملفات الهجرة والسيادة والأمن الحدودي كوسائل للتعبئة الانتخابية واستقطاب الناخبين. غير أن هذا الخطاب يصطدم بحقيقة جيوسياسية جديدة، تتمثل في تعاظم المكانة الاستراتيجية للمغرب داخل غرب البحر الأبيض المتوسط، الأمر الذي جعل أي محاولة للضغط السياسي أو التصعيد اللفظي تصطدم بمحدودية هامش المناورة الإسباني أمام تشابك المصالح الاقتصادية والأمنية بين البلدين.
كما أن بعض زعماء اليمين الإسباني أصبحوا، بشكل غير مباشر، يتحسبون من أي رد فعل مغربي قد تكون له تداعيات اقتصادية وسياسية على مناطق إسبانية حساسة، خصوصا تلك التي تعتمد على التعاون مع المغرب في مجالات التجارة والعبور البحري والتنسيق الأمني. وهو ما يعكس تحولا عميقا في موازين القوة، حيث لم يعد المغرب ينظر إليه باعتباره طرفا تابعاً لمنظومة المتوسط، بل شريكا استراتيجيا يمتلك أدوات تأثير فعلية تجعل من إدارة العلاقة معه ضرورة جيوسياسية أكثر منها خياراً سياسياً ظرفياً.
وبذلك، لم تعد العلاقة الثنائية تفهم فقط من زاوية التوازن بين دولتين، بل داخل شبكة معقدة من التفاعلات الداخلية الإسبانية والتحولات الجيو اقتصادية في غرب المتوسط. فما بدأ باتفاق صيد بحري في منتصف تسعينيات القرن الماضي، تحول تدريجيا إلى منظومة استراتيجية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة، ويصبح الاستقرار نفسه رهيناً بقدرة الطرفين على احتواء التوترات الداخلية قبل الخارجية.
واليوم، ومع تصاعد خطاب اليمين المتطرف وتزايد حساسية أقاليم مثل غاليسيا تجاه ملفات الصيد والهجرة، يصبح احتمال انتقال الخلافات السياسية إلى أزمات قطاعية أمرا واردا، ما يفرض على العلاقة المغربية الإسبانية الانتقال من إدارة المصالح إلى إدارة المخاطر بدل الاكتفاء بمنطق الشراكة التقليدية.
إن ما يتشكل اليوم في غرب البحر الأبيض المتوسط ليس مجرد إعادة ترتيب لموازين القوى، بل ولادة معادلة جديدة أصبحت فيها السيادة الاقتصادية والقدرة اللوجستية والتأثير الإقليمي عناصر حاسمة في صناعة القرار. وهي معادلة تجعل من المغرب فاعلاً مركزيا لا يمكن تجاوزه، وتفرض على إسبانيا تحييد الحسابات الانتخابية قصيرة المدى عن الملفات الاستراتيجية، لأن أي انزلاق سياسي لن يهدد فقط استقرار العلاقة الثنائية، بل قد ينعكس مباشرة على توازن غرب المتوسط بأكمله.


