الرئيسيةمجتمعملفات و حوارات
أخر الأخبار

الريف والعرش.. حين تكتب الجبال ميثاق الوفاء للمغرب

ماروك يونفرسال-متابعة ليلى بلهاشمي

هيئة التحرير:

ليست الأوطان مجرد حدود مرسومة على الخرائط، ولا الدول مجرد مؤسسات وقوانين، بل هي قبل ذلك ذاكرة مشتركة، ووجدان جماعي، وعهد متصل بين الأرض والإنسان. وإذا كان المغرب قد عمر قرونا طويلة صامدا في وجه العواصف وتقلبات الأزمنة، فلأن أبناءه ظلوا أوفياء لذلك العهد المقدس الذي يجمعهم تحت راية واحدة ويصهرهم في مصير واحد.

ومن بين الربوع التي حفظت هذا العهد جيلا بعد جيل، تبرز أرض الريف، تلك الربوع الشامخة التي وهبها الله صلابة الجبال واتساع الأفق وعزة النفوس. هناك، حيث يلتقي البحر بالجبل، وحيث تصنع الطبيعة رجالا لا يعرفون الانكسار، نشأت أجيال حملت حب المغرب في القلوب كما تحمل الأشجار جذورها في أعماق الأرض.

لقد كان الريف، عبر تاريخ المملكة، حصنا من حصون الوطن المنيعة ورباطا من رباطاته المتقدمة. وما إن كانت تدق ساعة الواجب حتى يهب أبناؤه للدفاع عن الأرض والعرض والسيادة، مؤمنين بأن الوطن ليس ميراثا نتلقاه من الآباء فحسب، بل أمانة نسلمها للأبناء أكثر قوة ومنعة وكرامة.

ومن هذه الأرض المباركة خرج رجال كتبوا أسماءهم بأحرف من نور في سجل الوطنية المغربية، وفي طليعتهم المجاهد الكبير محمد بن عبد الكريم الخطابي، الذي أصبح رمزا للمقاومة والتحرر في العالم بأسره. غير أن بطولة الريف لم تكن يوما بطولة فرد، بل كانت بطولة شعب كامل آمن بأن الكرامة لا تحفظ إلا بالتضحية، وأن الأوطان لا تبنى إلا بالوفاء.

وقد صدق أمير المؤمنين الملك الراحل محمد الخامس حين جعل من وحدة الشعب والعرش أساسا لتحرير الوطن وبناء الدولة الحديثة. فالتف المغاربة حول سلطانهم في ملحمة خالدة، أثبتت أن قوة المغرب لم تكن يوما في السلاح وحده، بل في ذلك الالتحام التاريخي الفريد بين العرش والشعب. وكان أبناء الريف جزءا أصيلا من تلك الملحمة الوطنية التي أعادت للمغرب حريته وسيادته ومكانته بين الأمم.

ثم جاء المغفور له الحسن الثاني، طيب الله ثراه، فكان حارس الثوابت الكبرى للدولة المغربية، ورجل المواقف التاريخية الحاسمة. وفي عهده تجدد التأكيد على أن المغرب وطن واحد لا يقبل التجزئة، وأن وحدته الترابية فوق كل اعتبار. وقد ظل الريفيون، كما سائر المغاربة، أوفياء لهذا المبدأ الراسخ، مدركين أن قوة الوطن تكمن في تماسكه ووحدة صفه.

ومع اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين، دخل المغرب مرحلة جديدة عنوانها التنمية والإنصاف والتحديث. فحمل جلالته هموم شعبه إلى قلب مشروعه الإصلاحي، وجعل من خدمة المواطن غاية للسياسات العمومية، ومن العدالة المجالية ركيزة لبناء مغرب المستقبل. ولم تكن مناطق الريف بعيدة عن هذه الرؤية الملكية المتبصرة، بل حظيت بعناية خاصة تجسدت في مشاريع كبرى ومبادرات تنموية هدفت إلى تعزيز البنيات التحتية وتحسين ظروف العيش وفتح آفاق أوسع أمام الأجيال الصاعدة.

وقد لمس أبناء الريف في جلالة الملك محمد السادس صفات الملك القريب من شعبه، الحريص على كرامة مواطنيه، الساعي إلى رفع الحرج عنهم وتيسير أسباب العيش الكريم لهم. فازدادت أواصر المحبة والوفاء بين العرش والشعب رسوخا، وتجدد ذلك الميثاق التاريخي الذي ظل عبر القرون أحد أسرار استقرار الدولة المغربية واستمرارها.

ولعل من أبلغ الشواهد على عمق هذا الارتباط ما شهدته الحسيمة في مستهل العهد الجديد، حين خرجت الجموع لاستقبال جلالة الملك في مشهد مهيب اختلطت فيه دموع الفرح بزغاريد الترحيب، وارتفعت الأعلام الوطنية فوق الساحات والبيوت، فيما صدحت الحناجر بالدعاء لأمير المؤمنين. ولم تكن عبارة “مرحبا بحفيد محمد الخامس” مجرد كلمات عابرة، بل كانت تعبيرا صادقا عن ذاكرة جماعية تحفظ الجميل وتستحضر رموز الوطن في لحظات الوفاء الكبرى.

إن التاريخ يعلمنا أن الأوطان العظيمة لا تقوم على الفرقة، وإنما على الوحدة. ولا تبنى على استحضار الجراح، وإنما على استحضار الدروس والعبر. وقد أدرك المغاربة، من طنجة إلى الكويرة، أن ما يجمعهم أكبر بكثير مما قد يفرقهم، وأن الوطن يتسع للجميع كما تتسع السماء لنجومها.

وما الريف إلا ضلع من أضلاع هذا الوطن الشريف، إذا اشتد عليه الخطب هب أهله هبة رجل واحد، وإذا نادى الواجب لبوا النداء غير هيابين ولا مترددين. فهناك، بين الجبال الشامخة والبحر الممتد، لا تزال جذوة الوطنية متقدة، ولا يزال الإيمان بالمغرب الواحد راسخا في القلوب.

وهكذا سيظل الريف، كما كان دائما، أرض الوفاء والرجال، وسيظل أبناؤه جزءا من المسيرة المغربية المتواصلة، يحملون راية البناء كما حمل آباؤهم راية الجهاد، ويجددون في كل جيل ذلك العهد الخالد الذي حفظ للمغرب وحدته وقوته واستقراره: الله، الوطن، الملك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى