الرئيسيةسياسة
أخر الأخبار

الصحراء الشرقية المغربية ثالوث الارض والسيادة والتاريخ في حضرة الوثيقة

ماروك يونفرسال-هيئةالتحرير

الرباط – لم تكن حدود المملكة المغربية الشريفة يوما خطوطا جامدة ترسمها تقلبات السياسة العابرة بل كانت عبر التاريخ امتدادا لكيان سياسي راسخ الجذور تشكل عبر قرون متعاقبة من البيعة والسلطة والمؤسسات وترسخ في الذاكرة الجماعية بوصفه دولة ذات استمرارية تاريخية في فضاء شمال افريقيا والساحل

واذا كان هذا المعطى يشكل الاطار العام لفهم تشكل الدولة فان استحضار ملف الصحراء الشرقية المغربية لا يمكن ان يتم بمعزل عن طبقات التاريخ المتراكمة التي تتجاوز الجغرافيا المعاصرة الى عمق اوسع تتداخل فيه السيادة بالمجال والوثيقة بالفعل السياسي والذاكرة بالبناء المؤسسي في نسيج تاريخي شديد التعقيد لا يقبل الاختزال

وانطلاقا من هذا التصور يبرز البعد الافريقي الاوسع لتجارب الدولة حيث تعد الدولة الفرعونية في مصر من اقدم النماذج ذات البنية المركزية في التاريخ الانساني بالقارة في حين تندرج التجربة المغربية ضمن اعرق الكيانات السياسية ذات الاستمرارية المؤسسية في شمال افريقيا بما راكمته من انتظام سياسي حافظ على مفهوم الدولة والشرعية عبر التحولات المتعاقبة دون انقطاع جذري في بنيته العميقة

ومن هنا فان فهم هذه الاستمرارية يمر حتما عبر مؤسسة البيعة التي شكلت عبر التاريخ احد اهم الاسس الجامعة بين العرش والشعب باعتبارها عقدا سياسيا وروحيا في ان واحد يجسد طبيعة الشرعية في المخيال السياسي المغربي ويمنح للدولة بعدها الرمزي والمؤسسي في الوقت نفسه

واذا كانت البيعة تمثل الاطار الشرعي فان سلاطين المغرب عبر مختلف العصور جسدوا الفعل التاريخي لهذه الشرعية من خلال تثبيت الحضور الترابي للدولة وتدبير علاقاتها بالمجالات القبلية وربط الاطراف بالمركز بما يعكس طبيعة الدولة المغربية ككيان دينامي قادر على اعادة انتاج سلطته وفق تحولات المجال والزمان

وانطلاقا من هذا التأسيس يمكن فهم المجال الصحراوي الشرقي بوصفه امتدادا تاريخيا تبلور عبر ثالوث جغرافي ظل حاضرا في الذاكرة التاريخية حيث تبرز بشار كمنطقة تماس تجاري واستراتيجي ربطت الصحراء بالداخل المغربي وتندوف كمجال قبلي وتجاري اسهم في حركة القوافل وتوازنات المجال الصحراوي بينما يشكل توات فضاء واحاتيا جامعا بين العلم والتجارة والدين مما جعله حلقة وصل بين المغرب وعمقه الافريقي

غير ان هذا الامتداد الجغرافي لم يكن منفصلا عن منطق السيادة بل ارتبط بثالوث مؤسساتي تجلى في البيعة باعتبارها رابط الشرعية وفي الظهائر السلطانية كاداة تنظيم اداري وقضائي تعكس حضور الدولة في مختلف المجالات وفي الجباية والاعشار باعتبارها مؤشرا على انتظام العلاقة بين المركز والاطراف بما يبرز تماسك البناء المخزني في تعامله مع المجال

وفي امتداد لهذا البناء يظل البعد التاريخي للملف مرتبطا بثلاث مراحل كبرى اذ تتجلى المرحلة السابقة للاستعمار في انسياب العلاقات السياسية والدينية والتجارية عبر المجال الصحراوي دون حدود صلبة في حين اعادت المرحلة الاستعمارية الفرنسية رسم هذا المجال وفق اعتبارات استراتيجية وجيوسياسية فرضتها طبيعة التنافس الامبراطوري قبل ان تنتقل القضية في مرحلة ما بعد الاستقلال الى فضاء جديد من النقاش التاريخي والسياسي المرتبط بارث الحدود واعادة قراءتها

ومع ذلك فان هذه المراحل لم تكن معزولة عن حركة التاريخ الاقليمي والدولي حيث تداخلت مصالح القوى الكبرى في رسم خرائط المنطقة وتقاطعت اعتبارات السيطرة الاستعمارية مع تحولات التوازنات الجيوسياسية مما يجعل فهم هذا المسار جزءا من قراءة اوسع لتاريخ تشكل الحدود في القرنين التاسع عشر والعشرين

وفي هذا المسار يبرز اسم جلالة المغفور له محمد الخامس بوصفه رمزا للتحرر الوطني وملاذا لوحدة الامة وصوتا تاريخيا ارتبط بمرحلة الجهاد والنضال ضد الاستعمار وبمعركة الاستقلال التي اعادت للمغرب موقعه الطبيعي بين الامم. فقد كانت مرحلة محمد الخامس مرحلة استنهاض للوجدان الوطني وتثبيت لمعنى الدولة الحديثة المرتكزة على الشرعية التاريخية والوفاء لتراب الوطن، وهي المرحلة التي جعلت من قضية الوحدة الترابية امتدادا طبيعيا لمعركة التحرر نفسها، لا فصلا منفصلا عنها.

ثم جاء جلالة المغفور له الحسن الثاني ليواصل هذا المسار بعزم الدولة ورؤية السلطان وبصيرته الاستراتيجية، فصان الذاكرة الوطنية ورفع لواء الوحدة الترابية في وجه كل محاولات التشكيك والتجزئة، وربط بين قوة الدولة ومناعة المجال، وبين حزم الموقف وعمق الشرعية، فكانت المسيرة والمؤسسات والاختيارات الكبرى تعبيرا عن دولة تعرف كيف تدافع عن حقها التاريخي دون تردد ولا انكسار. وفي عهده ترسخت معاني الجهاد السياسي والدبلوماسي، لا بمعناه الضيق، بل بمعنى الثبات في الدفاع عن الأرض والهوية والحق التاريخي.

ويأتي عهد جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده ليواصل هذا الامتداد بنفس متجدد ورؤية متبصرة، حيث انتقلت قضية الوحدة الترابية من مجرد الدفاع الى ترسيخ المكتسبات وتعزيز الشرعية الميدانية والدبلوماسية والتنموية، فصارت الصحراء المغربية مجالا للبناء والادماج والنهضة، وصارت الدولة أكثر رسوخا في حضورها وأكثر قدرة على تحويل التحدي الى ورش وطني جامع. وفي هذا الامتداد التاريخي تبدو الصحراء الشرقية، كما الصحراء المغربية عموما، جزءا من الوعي الوطني الذي لا يفرط في الارض ولا يتخلى عن الذاكرة ولا يقبل ان يطوى الحق بالتقادم.

وفي السياق نفسه تبرز الحركات السلطانية باعتبارها احد اهم ادوات الدولة المغربية في تثبيت حضورها في التخوم حيث قاد سلاطين مثل المولى اسماعيل والمولى الحسن الاول تحركات ميدانية هدفت الى ربط القبائل بالمركز واعادة تنظيم المجال وتاكيد حضور السلطة في الاطراف بما يعكس طبيعة الدولة ككيان يتحرك داخل الجغرافيا ولا ينفصل عنها

ومع تراكم هذه الممارسة التاريخية تكتسب الوثيقة المخزنية من ظهائر ورسائل وسجلات قضائية وبيعات قيمة مركزية باعتبارها ليست مجرد نصوص ادارية بل شواهد تاريخية على طبيعة العلاقة بين الدولة ومجالها ومصدرا اساسيا لاعادة بناء فهم علمي لتشكل السلطة في المغرب عبر العصور بعيدا عن القراءات الانفعالية او الاختزالية

وفي ضوء ذلك ومع انتقال المغرب الى مرحلة تثبيت وحدته الترابية في اقاليمه الجنوبية يظل النقاش حول الذاكرة التاريخية للمجالات الشرقية جزءا من حقل معرفي مفتوح يتقاطع فيه التاريخي بالرمزي والسياسي بالبحث العلمي في سياق اعادة قراءة مستمرة للعلاقة بين الدولة والمجال

وهكذا فان التاريخ لا يختزل في حدود مرسومة ولا في خرائط جامدة بل يقرأ في الوثيقة والممارسة والسرديات المتراكمة ومن هذا المنظور تبقى الصحراء الشرقية المغربية مجالا مفتوحا للبحث واعادة الفهم ضمن مسار طويل من العلاقة بين السيادة والذاكرة وبين الدولة والمجال وبين التاريخ واعادة تاويله مع تثبيت مبدأ لا تنازل على حبة رمل من تراب الوطن باعتبار ان الصحراء الشرقية المغتصبة تظل جزءا من الذاكرة التاريخية والسياسية للمغرب حاضرة في الوعي الوطني وفي سياق القراءة التاريخية المتأنية لمسار الدولة ومجالها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى