تعزيز الشراكات الإفريقية.. أولوية استراتيجية للمغرب
ماروك يونفرسال-متابعة -هشام بلقاسمي

يواصل المغرب تعزيز علاقاته مع الدول والتكتلات الإفريقية باعتبارها خيارا استراتيجيا يهدف إلى تحقيق التنمية المستدامة وترسيخ الازدهار المشترك داخل القارة الإفريقية.
ويعد المغرب اليوم من أبرز الدول الرائدة في مسار التصنيع بإفريقيا، مستفيدا من موقعه الجغرافي وإمكاناته الاقتصادية وشبكة شراكاته المتنامية مع العديد من البلدان الإفريقية.
وتقوم الرؤية المغربية للتعاون جنوب-جنوب على مبادئ التضامن والتكامل الاقتصادي، من خلال توسيع المبادلات التجارية والاستثمارات المشتركة، خاصة مع دول غرب ووسط إفريقيا، بما يساهم في تقليص التبعية الاقتصادية للأسواق الأوروبية وفتح آفاق جديدة للنمو.

وفي هذا الإطار، يسعى المغرب إلى ترسيخ مكانته كجسر لوجستي وتجاري بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي، مستنداً إلى مشاريع استراتيجية كبرى ومبادرات إقليمية تعزز الربط الاقتصادي بين دول القارة.
وقد شهدت المبادلات التجارية بين المغرب والدول الإفريقية تطوراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بتنامي الاستثمارات المغربية في قطاعات حيوية مثل الأبناك والمالية والطاقات المتجددة والاتصالات والبنيات التحتية والموانئ.
ويحتل المغرب مكانة متقدمة ضمن المستثمرين الأفارقة في القارة، حيث تتواجد المؤسسات البنكية المغربية في أكثر من عشرين دولة إفريقية، إلى جانب الحضور القوي للشركات المغربية في مجالات الزراعة والصناعة والخدمات.

ولا يقتصر الدور المغربي على الاستثمار فقط، بل يشمل أيضاً نقل الخبرات والتجارب التقنية، بما يعزز التنمية المحلية ويخلق فرصاً اقتصادية جديدة لفائدة الدول الشريكة.
كما يواصل المغرب توسيع شبكة شراكاته الإفريقية عبر تعاون متعدد الأبعاد مع دول مثل السنغال ونيجيريا وموريتانيا وكوت ديفوار والغابون وإثيوبيا ورواندا وغانا، في مجالات الطاقة والفلاحة والتكوين والنقل واللوجستيك.
وتبرز مبادرة أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب، إلى جانب مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، كنموذجين للمشاريع الاستراتيجية التي تهدف إلى دعم التكامل الاقتصادي الإفريقي وتعزيز الأمن الطاقي والتجاري بالقارة.
ومنذ عودته إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، عزز المغرب انخراطه في مشاريع الاندماج القاري، خاصة من خلال دعمه لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، التي تُعد خطوة أساسية نحو رفع حجم التجارة البينية الإفريقية وتقوية سلاسل القيمة داخل القارة.
ورغم التحديات المرتبطة بالبنيات التحتية والتفاوتات الاقتصادية والقيود اللوجستية، يواصل المغرب الدفاع عن رؤية تقوم على التعاون الإفريقي المشترك والانفتاح الاقتصادي باعتباره رافعة لتحقيق التنمية والاستقرار في إفريقيا.
ويعكس الحضور المغربي المتزايد في إفريقيا إرادة سياسية واضحة لجعل القارة شريكاً أساسياً في المستقبل الاقتصادي للمملكة، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية التي يشهدها العالم.
كما تراهن الرباط على القطاع الخاص المغربي باعتباره فاعلاً محورياً في تعزيز الاندماج الاقتصادي الإفريقي، من خلال تشجيع المقاولات المغربية على الاستثمار في الأسواق الإفريقية ونقل الخبرات الصناعية والتكنولوجية.
وفي المجال الطاقي، يولي المغرب أهمية كبيرة لتطوير مشاريع الطاقات المتجددة والتعاون الكهربائي مع عدد من الدول الإفريقية، بما يساهم في تحقيق الأمن الطاقي ودعم الانتقال نحو الاقتصاد الأخضر داخل القارة.
أما في القطاع الفلاحي، فقد عزز المغرب حضوره عبر مشاريع إنتاج الأسمدة وتبادل الخبرات الزراعية، خصوصاً من خلال مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، التي تعمل على دعم الأمن الغذائي الإفريقي وتحسين الإنتاج الزراعي.
وعلى المستوى الثقافي والإنساني، يواصل المغرب استقبال آلاف الطلبة الأفارقة في الجامعات والمعاهد المغربية، في إطار سياسة تهدف إلى توطيد العلاقات الإنسانية وتعزيز التعاون العلمي والأكاديمي بين شعوب القارة.

كما ساهمت الخطوط الجوية المغربية وشبكات النقل واللوجستيك في تقوية الربط بين العواصم الإفريقية، ما جعل من المغرب منصة استراتيجية للتبادل التجاري والاستثماري بين إفريقيا وأوروبا.
ويرى مراقبون أن السياسة الإفريقية للمغرب أصبحت نموذجاً للتعاون القائم على المصالح المشتركة والتنمية المتوازنة، بعيداً عن منطق الهيمنة أو الاستغلال الاقتصادي.
ومع تزايد التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي والتغير المناخي والطاقة، يواصل المغرب الدفع نحو حلول إفريقية مشتركة تقوم على التضامن والتكامل الاقتصادي، بما يعزز مكانة القارة في الاقتصاد العالمي.
وفي ظل هذه الدينامية، يطمح المغرب إلى لعب دور محوري في بناء إفريقيا أكثر اندماجاً واستقراراً، قادرة على تحقيق التنمية الشاملة والاستفادة من مؤهلاتها البشرية والطبيعية الهائلة.



