باريس والرباط تدشنان مرحلة استراتيجية جديدة مع الوصول الرسمي للسفير فيليب لاليو
ماروك يونفرسال-متابعة شيماء الادريسي

شكل وصول السفير الفرنسي الجديد فيليب لاليو إلى الرباط حدثا تجاوز الطابع البروتوكولي المعتاد. فبعد تعيينه رسميا في منتصف شهر ماي الماضي، باشر الدبلوماسي الفرنسي مهامه من خلال تسليم نسخ اوراق اعتماده الى وزير الشؤون الخارجية والتعاون الافريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة.
ويمثل هذا الاجراء بداية عملية لخارطة طريق ثنائية طموحة تهدف الى طي صفحة سنوات من التوتر وسوء الفهم بين البلدين، واعادة صياغة التوازنات السياسية والاستراتيجية في الفضاءين المتوسطي والافريقي.
وكان السفير السابق كريستوف لوكورتييه قد تولى ادارة واحدة من اكثر الفترات تعقيدا في العلاقات المغربية الفرنسية، خاصة عقب القرار الفرنسي بتقليص منح التاشيرات للمواطنين المغاربة، وهي الخطوة التي اعتبرتها الرباط انذاك غير منسجمة مع طبيعة الشراكة التاريخية بين البلدين، ما ادى الى فتور سياسي ودبلوماسي واضح.
واتسمت تلك المرحلة بغياب الزيارات الرسمية الرفيعة المستوى وتراجع الحضور الفرنسي في اولويات السياسة الخارجية المغربية، لتحل محل الدينامية التقليدية حالة من الحذر والتباعد المتبادل.
عامل الصحراء والتحول الاستراتيجي في العلاقات
بدا التحول الحقيقي خلال سنة 2024 عندما توجت مشاورات دبلوماسية هادئة بقرار تاريخي للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، الذي اعلن في رسالة رسمية موجهة الى جلالة الملك محمد السادس دعم باريس لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الاساس الاكثر جدية ومصداقية وواقعية لتسوية النزاع الاقليمي حول الصحراء.
وشكل هذا الموقف مكسبا استراتيجيا كبيرا للمغرب، ليس فقط بسبب رمزية فرنسا كشريك تاريخي، بل ايضا بالنظر الى مكانتها كعضو دائم في مجلس الامن الدولي وفاعل رئيسي داخل الاتحاد الاوروبي، الامر الذي اعاد رسم موازين القوى المرتبطة بالملف.
وعقب هذا التحول، انتقلت العلاقات الثنائية من مرحلة الجمود الى مرحلة اعادة تنشيط واسعة شملت اللقاءات الوزارية والبعثات الاقتصادية المشتركة واحياء عدد من المشاريع الاستثمارية التي كانت قد تاثرت بالازمة السياسية السابقة.
وتوج هذا المسار بالزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون الى المغرب، والتي حملت دلالات واضحة على انتهاء مرحلة التباعد وفتح صفحة جديدة قائمة على الثقة المتبادلة والمصالح الاستراتيجية المشتركة.
كما ان المغرب خلال سنوات الفتور مع باريس لم يتوقف عن توسيع شبكة شراكاته الدولية، بل عزز علاقاته مع الولايات المتحدة ودول الخليج وعدد من الدول الافريقية، وهو ما رفع من هامش تحركه الدبلوماسي وقدرته على تنويع تحالفاته.
وامام هذا الواقع الاقليمي والدولي المتغير، ادركت باريس ان استمرار التوتر مع الرباط يحمل كلفة سياسية واقتصادية متزايدة يصعب تبريرها.
الاستثمارات والبنية التحتية ورهان مونديال 2030
يتولى فيليب لاليو مهامه الجديدة في سياق ايجابي، لكنه يواجه في الوقت نفسه اجندة عمل مكثفة تتصدرها الملفات الاقتصادية.
فالمجموعات الفرنسية تعد من اكبر المستثمرين الاجانب في المغرب، وتحافظ على مواقع متقدمة في قطاعات استراتيجية تشمل صناعة السيارات والنقل السككي والبنوك والطاقات المتجددة والبنية التحتية الكبرى.
ويبرز المغرب ايضا كبوابة اساسية للشركات الفرنسية الراغبة في التوسع نحو اسواق افريقيا جنوب الصحراء.
وفي السياق ذاته، لم يغادر السفير السابق كريستوف لوكورتييه المشهد المغربي بشكل كامل، اذ تم تعيينه لاحقا على راس الوكالة الفرنسية للتنمية بالمغرب، في مؤشر اضافي على الاهمية التي توليها باريس للبعد الاقتصادي في اعادة بناء علاقتها مع الرباط.
وتضطلع الوكالة الفرنسية للتنمية بدور مالي محوري في مرحلة تشهد تسارعا كبيرا في مشاريع الاستثمار العمومي والبنيات التحتية المرتبطة بالاستعدادات لتنظيم كاس العالم 2030 بالشراكة مع اسبانيا والبرتغال، وهو ورش ضخم يفتح افاقا واسعة امام الشركات والهندسات الفرنسية.
تحديات المرحلة الجديدة
ورغم عودة اجواء الانسجام الى العلاقات الرسمية بين البلدين، فان المرحلة الحالية تتجاوز مجرد استعادة التواصل الدبلوماسي، اذ ترتبط باعادة تعريف اعمق لمواقع النفوذ والمصالح المشتركة.
ففرنسا تسعى الى اعادة ترتيب حضورها في افريقيا بعد الانتكاسات التي واجهتها في عدد من مناطق نفوذها التقليدية، بينما يواصل المغرب ترسيخ سياسة خارجية اكثر طموحا ترتكز على امتداده الاطلسي والمتوسطي والافريقي.
ومن المنتظر ان تظل ملفات الامن الاقليمي والهجرة والتنمية والاستقرار في منطقة الساحل والتبادل التجاري ضمن المحاور الاساسية للتعاون بين الطرفين، رغم ما قد يرافقها من تباينات ظرفية في بعض الملفات.
ويبقى التحدي الحقيقي امام السفير الجديد فيليب لاليو هو ضمان استدامة هذا التقارب الاستراتيجي وقدرته على الصمود امام اي خلافات مستقبلية محتملة، في ضوء التجارب السابقة التي اظهرت ان قوة المبادلات الاقتصادية وحدها لا تكفي للحفاظ على استقرار العلاقات عندما تشعر احدى الدولتين بان مصالحها الجوهرية لم تعد تحظى بالفهم او الاحترام الكافيين من الطرف الاخر.



